
الشخص في حالة الانتظار يصبح مثل الأطفال، وأي شخص يمرّ بهذه الحالة، مهما بلغ عمره، يتصرف كأن الزمن توقف لديه. ما يهمّ هنا ليس السن، بل حال الشعور الذي يسيطر عليك، حيث تفقد تركيزك على حاضرك، وتنشغل بتفاصيل غائبة، غالبًا في يد غيرك.
أكيد عندك فضول تعرف ما هي هذه الحالة بالضبط؟
هي حالة الانتظار المصحوبة بالنظر إلى ما في يد الآخرين. مثلًا: لما شخص يحصل على شيء أنت تتمناه، يتولد داخلك سؤال: ليش هو؟ كيف هو وأنا لا؟ وإذا هذا الشخص حصل على شيء “زيادة”، الحالة عندك تتضخم… ممكن تنهار، ممكن تثور، تمامًا مثل الأطفال.
تخيل طفل يبي قطعة شوكولاتة، ويجي أخوه يفتح الدولاب ويلقى حبتين ويأكلهم قدامه، وهو يشوف البقايا.
إيش بيصير هنا؟
بكاء، عصبية، ومئات الأسئلة في عقله: ليه هو وأنا لا؟
وهنا لبّ الموضوع.
“ليه هو وأنا لا ما؟”
هذا السؤال ما يخص الأطفال فقط، بل يصيب الكبار بنفس الطريقة، شخص يحصل على سيارة؟ يطلع شخص ثاني من بعيد يقول: ليه هو وأنا لا؟
واحد يتزوج، واحد ينجح، واحد يحصل على وظيفة، واحد يفتح مشروعه وينجح… دائمًا هناك شخص أو اثنين يهمسون في أنفسهم نفس الجملة: ليه هو وأنا لا؟
وهذا مو شيء جديد. وفقًا لما نشرته دار الإفتاء المصرية، الغبطة شعور طبيعي، وهي تمني مثل النعمة التي عند الغير، بدون تمني زوالها. لكن المشكلة تبدأ لما هذا الشعور يتحول لحسد، وهو تمني زوال النعمة من يد الآخرين. وهنا الخطر، لأنك تنتقل من تمني المشروع إلى مقارنة سامة، وأن الغبطة فطرة، لكن لا بد من تهذيبها والتعامل معها بمنظور إيجابي، حتى لا تتحول إلى ألم نفسي.
لو رجعنا لبداية الشعور هذا، غالبًا راح نلقى إن جذوره ترجع لمواقف بسيطة مثل قطعتين شوكلت أكلهم أخوك، وأنت ما قدرت. ولأننا ما تلقينا التوجيه والتوعية حول هذه اللحظة، عشناها وتكررت فينا. ما سمعنا في صغرنا كلمات مثل:
“الله رزقه”، “الله كتب له”، “ما تدري يمكن يجيك شيء أحسن”
لو سمعناها وتربينا عليها، كان خفّ عندنا الشعور بالمقارنة، وصارت الغبطة دافع لا عبء.
الانتظار في التدقيق
كيف تقضي وقت الانتظار دون أن تصاب بشعور الغبطة المؤلمة أو الأمنية المرهِقة؟
بالانشغال، نعم، بالانشغال!
أنت تبي درجات معينة، تبي وظيفة، تبي هدف معين؟ تروح تشتغل عليه، ما تنتظر وتشوف غيرك يوصله وتتحطم.
هنا تصير حالة الانتظار ليست مجرد جلوس، بل حركة.
كل ما انشغلت بذاتك، قلّ تركيزك على الآخرين، وكل ما تركت ذاتك، رجعت لحالة “انتظار الأطفال”.
ومع الانشغال، لازم وعي. لأن مواقع التواصل اليوم غيّرت معادلات كثيرة، وسائل التواصل الاجتماعي زادت من حالات الحسد والشعور بالتعاسة عند الناس، لأنهم يراقبون نجاحات غيرهم باستمرار، كل يوم تشوف شخص سافر، اشترى، تزوّج، نجح، فتح مشروع، حقق حلم… فتبدأ تقارن، وتدخل في نفس الدائرة: ليه هو وأنا لا؟
ومن ملاحظتي الشخصية، شفت الحالة هذه تتجسد في مدينة ألعاب، لما طفل أخذ ثلاث أشواط بدل شوطين، الكل صرخ: ليه هو ثلاث واحنا شوطين؟
المفاجأة؟ اللي صرخوا أعمارهم فوق 25 سنة!
ولم يلعبوا أي شوط بعد!
يعني حتى بدون تجربة، المقارنة حاضرة.
الحسد ليس وهمًا أو خرافة، بل حالة نفسية حقيقية، تولد من شعور الشخص بأنه أقل أو غير مستحق، فقط لأنه يرى الآخرين يمتلكون شيئًا لا يمتلكه.
وللخروج من هذه الحالة، لا يكفي الانشغال فحسب، بل أيضًا الوعي الذاتي، أن الغبطة قد تكون دافعًا إيجابيًا، إذا قادت الإنسان إلى العمل والاجتهاد، بدل ما تجعله يتوقف عند الألم والتمني السلبي.
الخلاصة
الانشغال بدل الانتظار
الحل بسيط نظريًا، لكنه عميق عمليًا: انشغل بنفسك.
“ليه هو وأنا لا؟”
سؤال بسيط، لكنه مفتاح لمشاعر كثيرة… بعضها إيجابي مثل الطموح، وبعضها سلبي مثل الحسد والضيق. الفرق بين الاثنين هو:
هل تنشغل بنفسك؟ أم تنشغل بالآخرين؟
هل تنتظر مثل الطفل؟ أم تتحرك مثل العاقل الواعي؟
الغبطة ليست مشكلة، بل دليل على أنك تتمنى الأفضل.
لكن الحذر، أن تتحول إلى طفل يرى الشوكلت في يد غيره، فيبكي وينسى أن يبحث عن الشوكلت الخاصة.
لسماع المدونة تجدها في بودكاست مساحة صريم على اليوتيوب 🎙️


أضف تعليق