
التخرج والفراغ
من الصعب مواجهة الهدوء بعد العاصفة، حيث الهدوء المبطن بالضجيج. تستمع له، ولكنه ليس حولك، بل بداخلك، وربما تكون أنت تلك العاصفة التي استمرت لأعوام دون أن تهدأ، تبحث عن الإنجازات حتى أصبحت مُدمنًا للعواصف. ذلك ما حدث معي بعد أن انتهت عاصفتي بعد سبعة عشر عامًا. في البداية كان الأمر جميلًا ممتعًا وكأنه بمثابة التقاط للأنفاس، ولسان الحال يقول (وأخيرًا هدأت العاصفة). وبعد هذا واجهت فوضى تلك المرحلة من تقلبات مزاجية، ورؤية ضبابية، وضياع وتشتت، وعدم وضوح في الأهداف، حتى زارتني العديد من التساؤلات (هل درست الشيء المناسب لي؟ هل أضعت سنوات عمري في طريق ليس لي؟ هل كان كل ذلك الشغف وهمًا؟). ومن هنا بدأت مرحلة التشكيك في كل شيء وكل قراراتي، وحتى التخصص الذي اعتقدت أنه تخصص أحلامي بات كابوسًا ولعنة من شدة الأفكار السوداوية. وكانت لدي رغبة ملحة في ترك كل شيء وإعادة الزمان، ولكن لا شيء سوف يكون إن لم أتحرك للأمام، فالماضي لن يتغير، ولكن أحداث المستقبل هي عبارة عن خطواتي سوف أأخذها اليوم. وفي ليلة زارني من اليأس ما يكفي حتى اعتقدت أن الشمس لن تشرق من جديد وأن الليل قد خيم على حياتي إلى الأبد، وما كان الأبد إلا خطوات صغيرة اتخذتها تجاه ذاتي.
خطوات مليئة بالشك والأحكام المسبقة والخوف من الضياع من جديد، ممزوجة بخوف من التجارب والفشل والاعتياد، خوف من أن تمشي وتواجه شيئًا لم يكن بالحسبان، أو أن تبقى وتفقد بريق أحلامك أو ذاتك. تبدأ بالتشكيك في كل المسارات، وحتى المسارات التي تنادي عليك، وسوف تجد بر الأمان وترتاح وتجد شغفًا وعالمًا جديدًا، ولكن ما دُمت حيًا سوف تزورك ليالي الشك حتى تشك بوجودك، وكل شيء من حولك. ولا يحدث ذلك بهدف زلزلة أمانك أو عالمك أو أن يسلب طمأنينتك، بل كل هذا يحدث للإرتقاء والتغير الكبير الذي يتبعه. وسوف تظلم سمائك حتى بوجود الشمس، ولكن بعد ذلك سوف تنمو. بشكلٍ أو بآخر، سوف تتساقط أوراقك ويأتي خريفُك، ومن ثم تنمو من جديد. لا تزورك العاصفة أو السماء المظلمة مرة واحدة، بل ربما تزورك مرتين أو أكثر، وذلك يعود لأحداث حياتك. والأهم من ذلك أن تفهم، وأن تُظهر تعاطفًا لمرحلتك وقليلًا من الاحتواء لذاتك.
قد تختلف عواصفنا، ولكن شعورنا واحد. قد تكون عاصفتك هي تخرجك، قد تكون استقالة، تقاعد، نهاية صداقة أو زواج أو علاقة، وقد تكون دمار خطة قد خططت لها ووضعت الكثير من الآمال عليها. قد يكون أملًا لم يولد بعد، أو فقدان أهم شيء وهو أنت، وهكذا تتعدد العواصف، ولكن جميعها هدوء مُبطن بعاصفة.
خطوات ساعدتني في جعل خريفي أقل قسوة وربما قد تُساعدك:
السماح للشعور بأن يكون كما هو دون مقاومة، تلك المقاومة التي تكون على شكل أسئلة، لماذا أشعر بالفراغ؟ كيف أوقف الشعور بالفراغ؟ كيف أتحكم بالشعور؟ قد تكون أسئلة من هذا النوع شكلًا من أشكال المقاومة والرغبة بالسيطرة على المشاعر، بينما المشاعر ليست شيئًا ملموسًا لتسيطر عليه. ومقاومة الشعور هي أكثر الأمور تعقيدًا.
العجلة وعدم الحضور:
كنت دائمًا أضغط على نفسي. أين الخطوة التالية؟ لماذا كل ذلك الهدوء مع ممارسة السلطة الأبوية على ذاتي في كل لحظات الهدوء؟ بدلًا من التقاط الأنفاس ودراسة ثلاث خطط وطرح حلول بديلة، كنتُ أطالب نفسي بالركض في عجلة الهامستر دون الوصول لمكان لأنني لم أجد خارطتي بعد. فلذلك رسيتُ على المرسى، ولم أتقبل الفراغ والشعور به؛ حتى مرحلة الفراغ هي جزء من الرحلة.
التدوين هومن أكثر الأشياء المساندة في المراحل الصعبة، كما أن هناك طرق مختلفة للتدوين، وهي:
الطريقة الأولى: مشاعري وشرح مفصل لها. مثال: مشاعر الغضب، لماذا كنت أشعر بالغضب؟ في أوقات يخرج السبب هو فقدان السيطرة. أُشرِّح -المقصود هُنا التشريح- أسباب السبب نفسه، فقدان السيطرة، ومتى كانت أول مرة شعرت فيها بفقدان السيطرة؟ وهنا سأكتب كثيرًا من القصص التي تلمس زر فقدان السيطرة، وتجعلني في مرحلة الغضب. من الممكن في أوقات أن يكون الغضب نتيجة لمشاعر عدم الإنجاز؟ وهنا أيضًا يتم استخدام عملية التشريح، لماذا أشعر بالغضب من عدم الإنجاز؟ هل قيمتي مرتبطة بالإنجاز؟ وهكذا أستلم المشاعر وأقوم بتشريحها دون إصدار أحكام أو توقعات، فقط أكتب وأبحث بداخلي. وهذا ينطبق أيضًا على مشاعر الحزن والعار والخزي.
التدوين بالطريقة الثانية: وهي كتابة كل شيء أفعله في يومي، حتى صغار الأمور، مثل تنظيف الأسنان، غسل الوجه، الاستحمام، الأكل، الطبخ، التنظيف، الترتيب، الكتابة، وأي روتين أقوم به. وهنا سيجعلك تشعر أنك فعلت شيئًا في يومك، وأن اليوم لم يمر هكذا مرور الكرام دون أن تفعل شيئًا؛ وهذا ساعدني كثيرًا في الأوقات التي أشعر فيها أن حياتي خالية من الحياة.
الطريقة الثالثة: كتابة أسئلة والإجابة عليها، أسئلة للتعرف على الذات أو الغوص في خفايا الذات (ظلنا الداخلي) والتعرف بشكل عميق أو حتى سطحي على النفس في الوقت هذا بدلًا من البقاء مستلقيًا ويدك على خدك.
خلق روتين جديد أو بناء عادات جديدة:
أن تخلق روتينًا هو كفيل بأن يشعرك بوجودك لأنك في مرحلة الشك حتى وجودك سوف تشكك فيه، فخلق روتين يسهل التعامل مع الفراغ، وهذا حصل معي بعد مواجهة نفسي ومشاعري وأفكاري ومعتقداتي، ومن العادات التي من الممكن أن تخلقها، هي المشي، التمارين، ممارسة هواية قديمة، تعلم لغة جديدة، حضور دورات تدعم تخصصك ودراستك أو حتى اهتماماتك؛ ومن الأشياء التي ساعدتني فتح مشروع صغير، كنت أمارس شيئًا أحبه ومنها يدر لي المال.
(ملاحظة: غالبًا ستأخذ خطوات لخلق روتين جديد، بعدما يزورك الأمل من جديد والظلام لم يعد كما كان وحتى مشاعرك ستكون مختلفة تمامًا).
قد تختلف خطواتك عن خطوة شخص أخر وفي أيام أخرى قد تستلهم من أحدهم، وربما ترسم خطوات جديدة وتختبر شيءُ جديد تُلهم به أشخاصُ أخرين أو حتى ذاتك بالأيام الصعبة.
قراءة المزيد: خطوات مليئة بالشك..
أضف تعليق