مساحة صريم شيء مني وليس أنا حيثُ أجمع كل شيء والا شيء

الاختفاء يشمل جسدك!

" كتاب شرطة الذاكرة"

-لا يوجد حرق للكتاب –

بعد الانتهاء من كتاب “شرطة الذاكرة”، انتبهت لكل الأشياء التي فقدناها مع تغير الزمان، وكأن الكتاب أضاف إلي إدراك وانتباه جديد وهو الانتباه إلى الاختفاء الذي يحدث في حياتنا دون أن نٌدرك، ففي طريقي إلى عملي اليوم استوقفني منظر مُنذ شهر كنت أراه ولكني لم أنتبه له الا في هذه اللحظة، كان هُناك مطعم قد أختفى وتم نزع لوحته وكأنه شيء لا يُذكر، وذلك ليس مطعمًا عادي بل يحمل ذكريات كثيرة وكثيرُ من الوجبات مع الأصدقاء ومع العائلة، ضحكاتنا معًا والحوارات التي أسهبنا بها هُناك، لم أدرك كُل ذلك إن لم تُضع تحت عدسة الاختفاء، بل وحتى تلك الذكريات قَد انطوت بعيدًا في ذاكرتي وإن لم استرجعها لتلاشت تدريجيًا، فدون استرجاع للذكريات يختفي كل شيء، وليس ذلك المطعم فقط ما سوف يختفي ، بل وحتى تلك المقاهي التي قضينا بها العديد من  الأوقات؛ ساعات طويلة نتناقش فيها عن الحياة والاقتصاد والدراسة والحروب والعلاقات والأسرة وعن الله والحب، ولكن أختفى المطعم والمقهى وكذلك الأصدقاء ، الحياة أخذتنا إلى أماكن مختلفة فما عُدنا نجتمع على طاولة لمناقشة كُل ذلك.

لربما الكاتب أراد أن يجعلنا نُدرك أن لو لم تكن هُناك ذكريات لما كان هُناك وجع الاختفاء، ولكن تلك الذكريات هي من تركتنا نشعر وندرك وأضافت معنى؛ إن الذاكرة هي من تُحركنا والذكريات تحديدًا، وإن لم يكن هُناك ذكريات ستكون حياتنا عادية، والمقاهي عادية، والمطاعم عادية، والأشخاص عاديون، والأكلات والروائح عادية، قد نشتم رائحة الماضي ونتذوق الماضي دون أن نلتفت أو حتى نشعر به، فماذا تعني تلك الأشياء دون ذكريات أو معاني؟ والمعاني أتيه من الذكرى الموجودة لدينا في زوايا عقولنا.

هل نحن الذكريات؟ أو أننا عبارة عن ذاكرة فقط؟ 

ذكرى الكوب الأول بعد الوصول، الطعم وشكل الكوب، رائحة غرفة الطفولة، طعم الأكلات التي أكلناها في الوطن قبل المغادرة، الطُرقات ورائحة بيت الجدة، ورائحتها كذلك، ذكرى ولادة عزيز، وكل تلك التفاصيل التي عشناها، الأماكن والأشياء لن تعود عادية إذا لمستها الذكريات، إن شعرنا بها أو لمسناها بعمق، ذكرى مؤلمة وذكرى جميلة كلاهما في عقولنا، نتذكر الفرح القديم ونشعر به وكأنه اليوم حدث، نتذكر الحزن القديم ونشعر به وكأنه بالأمس حدث، ندور في ما أختفى، فماذا لو ما يحتفي تختفي مع الذكريات وتتلاشى الصور والمشاعر، ونعيش بشكل عادي ونتعرف على أشياء جديدة ونكون معها ذكريات وتختفي وتختفي ذكرياتها، وهكذا تستمر الحياة.

مثال: كأن تختفي القهوة من الوجود وننسى مذاقها وذوبان المرارة بالفم وشعورها إن كانت بارة أو ساخنة وننسى رائحتها وحتى الذكريات المتعلقة بالقهوة وحتى لو ذكرة كلمة قهوة نتعجب متسائلون ما هي القهوة؟

الكتاب عجيب ، يدخلك في دوامة التفكير لساعات بكل ذكرى عشناها، وكُل التفاصيل التي كانت موجودة في حياتنا، ولكن! لو رحلت وتحولت لذكريات، وهي ذاتها الذكريات التي تجعل كل شيء مختلف، الكتب مختلفة، والطرقات مختلفة لربما عادية ولربما لا!، وأخيك سيكون شخصًا عادي لا تعرفه إن رحلت الذكريات، فعندما تختفي الذاكرة لن تكون للأشياء ذات المعاني، فالذكرى هي المعنى ولربما نحن الذاكرة وإن اختفت تختلف اللعبة والتجربة!

قراءة المزيد: الاختفاء يشمل جسدك!

أضف تعليق